مقاييس الخدمة ونجاحها لقداسة البابا شنودة الثالث

إن مقاييس الله غير مقاييس الناس. الله هو فاحص القلوب و الكلى، و العارف بحقائق الأمر. هو الذي يستطيع أن يقيّم خدمة كل أحد. و يعرف مدى فاعلية الخدمة أو روتينيتها. حقيقة الخدمة أو مظهرها..  و لاشك أننا في الأبدية سنجد أموراً عجيبة ما كنا نتخيلها إطلاقاً.
ربما نرى في الأبدية خدامًا ما كنا نسمع عنهم!! و ربما بعض الخدام الظاهرين الآن، لا نراهم هناك!!
حقًا إن مقاييسنا في تقييم الخدمة غير مقاييس الله.. و هنا نريد أن نفحص ما هي مقاييس الناس في نجاح الخدمة، و ما حكم الله عليها. و ندرس ما هي المقاييس الخاطئة ، و ما هي المقاييس السليمة.

أول مقياس للناس، هو مقدار المسئوليات.

(1) مقدار المسئولية

يقيس الناس الخدمة بحجم المسئوليات الملقاة على الخادم، بينما الله له مقياس مختلف.

* خذوا مثلًا إسطفانوس أول الشمامسة.

إنه مجرد شماس، لم ينل رتبة أعلى من ذلك. فهل نقيس خدمته برتبته؟! كلا، بلا شك. فإن الكنيسة المقدسة تضع اسمه في مجمع القديسين قبل جميع البطاركة. وتقاس خدمتها بعمقها. وكيف أنه كان مملوءًا من الروح القدس والحكمة والإيمان (أع 6 : 3 ، 5). ” وإذ كان مملوءًا إيمانًا وقوة، كان يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب ” (أع 6 : 8).
ووقف أمام ثلاثة مجامع وأمام الذين من كيليكيا وآسيا، يحاورونه ” ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به ” (أع6: 10). لهذا رأينا أنه بعد وضع اليد عليه كشماس ” كانت كلمة الله تنموا، وعدد التلاميذ يتكاثر جدًا في أورشليم، وجمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان ” (أع6: 7). هكذا كانت خدمة هذا الشماس و فاعليتها، حتى أن اليهود لم يحتملوا خدمته، فقبضوا عليه و رجموه. و في رجمه رأى ” السموات مفتوحة و ابن الإنسان قائماً عن يمين الله ” (أع7: 56). “ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك” (أع6:5).
إن الإنسان في خدمته أمام الله، يوزن مجردًا من صفاته الخارجية ووظائفه. فيوزن في عمق عمله، وفي عمق قلبه، وفي قيمة خدمته.

* خذوا مثالًا آخر: القديس مارأفرام السرياني

و ما قام به من جهد كبير في الخدمة و في مقاومة الأريوسية و في دفاعه عن الإيمان، حتى قبل أن يُرسم إغنسطساً (أي قارئاً) من يد القديس باسيليوس الكبير. هذه الرتبة التي يحصل عليها الآن عشرات الآلاف من خدام مدارس الأحد، والتي كان يرى نفسه غير مستحق لها.
ولكن الأغنسطس مارأفرام كان له وزنه الجبار في الكنيسة الجامعة، حتى أسموه “قيثارة الروح القدس” وأسموه الملفان أو “المعلم”، في أشعاره وكتاباته الروحية ذات التأثير أو العمق العجيب أتُرانا نقيس خدمته برتبة أغنسطس ؟!.. أم بأثره البارز في خدمة الإيمان وفي التعليم، ليس في جيله فقط، وإنما في أجيال عديدة وحتى الآن.

* خذوا مثالاً آخر: الشماس أثناسيوس في مجمع نيقية المسكوني المقدس

في ذلك الوقت كان مجرد شماس، في أول مجمع مسكوني يضم 318 من الآباء الكبار، بطاركة وأساقفة، يمثلون كنائس العالم كله. ( انظر المزيد عن هذا الموضوع ). ولكن عمله حينذاك لم يكن يقاس برتبته كشماس، وإنما بوقوفه ضد أريوس الهرطوقي، والرد على كل أدلته، في قوة و في فهم عميق للكتاب و المعنى السليم لنصوصه و دلالاتها اللاهوتية.. حتى أنه – و هو شماس – قام بصياغة قانون الإيمان المسيحي في مجمع نيقية، القانون الذي تؤمن به كل كنائس العالم.. هنا الخدمة لم تكن تقاس بالرتبة، وإنما بأثرها وفاعليتها.

* مثال آخر هو القديس سمعان الخراز

ماذا كانت رتبته ؟! لا كاهن، و لا شماس، و لا حتى أغنسطس.. إنما عامل بسيط ربما لا قيمة له في المجمع، و لا وظيفة له في الكنيسة.
و لكن قيمة خدمته كانت في عمق عمله، و عمق صلواته، و في إنقاذه الكنيسة كلها بمعجزة نقل الجبل المقطم أيام البابا إبرام بن زرعة و في حضوره. هنا نوعية الخدمة، و ليس علو الرتبة..

* خذوا أيضًا مثال القديس الأنبا رويس

لم يكن أسقفاً و لا قساً و لا شماساً، و لم تكن له أية وظيفة رسمية في الكنيسة، و لا أية خدمة معينة. و مع ذلك دعته الكنيسة من آبائها. وكانت له خدمات تظهر يد الله فيها بكل وضوح.

* كذلك يمكن أن نذكر: إبراهيم الجوهري

كان علمانيًا، و له وظيفة علمانية في الدولة، أي أنه لم يكن مكرساً للرب. و مع ذلك كانت له محبته العميقة للكنيسة، و خدماته التي لا يمكن أن تُنسى التي قام بها من أجل عمارة الأديرة و الكنائس، و في العناية بالفقراء بأسلوب يضعه في مرتبة الخدام، بل أنه يفوق الكثيرين منهم.

* مثال خارج الكنيسة القبطية هو ميشيل أنجلو

كان فناناً. لكن خدماته في محيط الأيقونات الكنيسة، سجلت له اسمه في التاريخ و بخاصة في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان. و هنا لا نسأل عن درجته الكنسية أو عن رتبته، إنما عن عمق خدمته. و الناس يعرفون ميشيل أنجلو، و ربما الملايين لا تعرف اسم البابا الذي عاش أنجلو في أيامه. و إن عرفوا اسمه يقولون إنه البابا المعاصر لميشيل أنجلو..!

نقطة أخرى نذكرها في مقاييس البشر الخاطئة بالنسبة إلى الخدمة، وهي شرف وعظمة المكان.

(2) عظمة المكان

قد ينسبون أهمية الخادم إلى أهمية و عظمة المكان الذي يخدم فيه، كأنما خدمته تستمد قدر عظمتها من المكان، و ليس من الشخص، و لا من عمق و نوعية الخدمة. و الواقع غير ذلك.

* ومن أمثلة ذلك القديس غريغوريوس النيازينزي.

ينتسب إلى بلدة نيازينزا التي صار أسقفًا لها، و ربما لا يعرف أحد تحديد مكانها بالضبط، غير أنها كانت إحدى مدن قيصارية كبادوكية التي تتبع للقديس باسيليوس الكبير.
غير أن القديس غريغوريوس لم يستمد عظمته و شهرته من عظمة المدينة التي يخدمها، و إنما من شخصيته اللاهوتية و محاضراته العميقة التي ألقاها عن الثالوث القدوس، حتى أن الكنيسة منحته لقب “الناطق بالإلهيات”. إيبارشيته لم تمنحه الشهرة، إنما هو الذي منح الشهرة لبلدة نيازينزا المجهولة بالنسبة إلى الكثيرين.

* مثله أيضًا القديس أغريغوريوس أسقف نيصص.

و هو أخو القديس باسيليوس الكبير. و قد رسمه أخوه على نيصص، التي لا يعرف الكثيرون مكانها. و لكنها ضمن إيبارشية قيصارية كبادوكية. هي بلدة غير مشهورة، الذي سجل اسمها في التاريخ هو أسقفها القديس غريغوريوس، الذي كتب كثيراً ضد الأريوسيين و له تأملات كثيرة، و كتاب عن التطويبات. ( انظر المزيد عن هذا الموضوع ). لا يقل أحد إذن أن خدمتي فقدت قيمتها لأنها في بلدة صغيرة أو في قرية!! ولو إنني خدمت في مدينة كبيرة، لكان لي شأن آخر!!

* إن السيد المسيح ولد في قرية صغيرة هي بيت لحم “الصغرى في يهوذا” (مت2: 6).

و انتسب إلى مدينة الناصرة، التي كان يعجب البعض هل يخرج منها شيء صالح!! (يو1: 46). و لكنه مع ذلك أعطي الناصرة شهرة في التاريخ. و كان يدعى “يسوع الناصري” (مت26: 71). و في نفس الوقت أيضاً منح شهرة لقرية بيت لحم، فصارت مزاراً مقدساً..

* خدّام آخرون يقيسون (عظمتهم) في الخدمة بطول مدة هذه الخدمة. ويعتبرون هذا نوط تقدير للخدمة!

(3) طول مدة الخدمة

البعض يقيس قوة الخادم بطول مدة خدمته. و من هنا جاء تعبير (الخدام القدامى). و في الحقيقة ليس هذا مقياساً سليماً. فقد يوجد خداّم لهم مدة أقصر من غيرهم، و لكنها أكثر إنتاجاً و أعظم أثراً.

* يوحنا المعمدان: خدم سنة أو سنتين بالأكثر. و لكنه استطاع خلال تلك الفترة القصيرة أن يهيئ الطريق أمام الرب، و يعدّ له شعباً مستعداً و يتقدم أمامه بروح إيليا و قوته (لو1: 17).

* و السيد المسيح نفسه كانت خدمة تجسده قصيرة! حوالي ثلاث سنوات و ثلث، قال عنها للآب: العمل الذي أعطيته قد أكملته (يو17:4). و قال عنها أيضاً “أنا مجدتك على الأرض”.. أتم الفداء، و التعليم، و قدم القدوة، و صحح الأخطاء، و أعاد الصورة الإلهية للناس.

* البابا كيرلس الرابع، مدة حبريته أقل من 8 سنوات. و مع ذلك منحته الكنيسة عن هذه الفترة لقب (أبو الإصلاح) من أجل عمق الخدمة التي قدمها.
و يعوزنا الوقت إن تكلمنا عن بعض الآباء الكهنة:

* القس منسى يوحنا كاهن ملوي مثلًا:
تنيح و عمره 30 سنة. و استطاع في تلك الفترة أن يقدم آلاف من العظات، و كتاب يسوع المصلوب، و طريق السماء، و تاريخ الكنيسة الذي ألفه و هو شماس. و كان له تأثير روحي واسع النطاق على الرغم من قصر مدة خدمته.

* و القس أنطونيوس باقي خادم كوينز: و هو أول كاهن أرسلته إلى أمريكا سنة 1972. لم يخدم في أمريكا سوى خمسة أشهر. و لكن خدمته توجت بعبارة قالها له الشعب هناك: لقد عرفنا الرب يوم عرفناك..
الخدمة إذن لا تقاس بطول مدتها، و إنما بعمقها..

*و قد يأتي إنسان إلى كنيسة كضيف و يلقي عظة. و تكون هذه هي كل خدمته في الكنيسة. و تمر سنوات طويلة، و الناس لا ينسون تلك العظة و تأثيرها. بينما يخدم غيره في نفس الكنيسة سنوات طويلة يلقون خلالها عظات عديدة، و لكن ليس بنفس التأثير.

* إن يوماً واحداً يخدمه بولس الرسول، لهو أعظم و أعمق من سنوات طويلة يخدمها آخرون.

مقياس آخر يقيس به البعض نجاح الخدمة و هو: كثرة المخدومين.

(4) كثرة المخدومين

كما تتميز عظمة قائد في جيش، بأنه قائد مائة أو قائد ألف. و هكذا كلما زاد عدد المخدومين، يعتبرون هذا دليلاً على نجاحها و نموها. و قد يكون الأمر كذلك فعلاً، و لكنه ليس مقياساً ثابتاً بصفة مطلقة..
فليس نجاح الخدمة في كثرة عدد المخدومين، و إنما في الذين غيرت الخدمة حياتهم، و أوصلتهم إلى الله..

* السيد المسيح كان يعظ آلاف كما في الخدمة الروحية التي سبقت معجزة الخمس خبزات و السمكتين. و كانت له خدمة أخرى مركزة في الإثنى عشر، و كانوا أهم من تلك الآلاف بكثير، بل هم الذين جذبوا إلى الإيمان مدناً و أقطاراً فيما بعد. و جميل قول الكتاب في نجاح خدمة هؤلاء:
” و كان الرب في كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون “ (أع2: 47). إذن ليس نجاح الخدمة في عدد الذين يسمعون، إنما في عدد الذين يقبلون الكلمة بفرح، و تثمر فيهم، و تقودهم إلى التوبة، و إلى حياة القداسة و الكمال.
و من هنا كنا ننادي بفصول مدارس الأحد المحدودة العدد، التي يستطيع فيها المدرس أن يهتم بكل تلميذ، و يخدمه خدمة حقيقية ناجحة، و يفتقده و يرعاه.
و بنفس الوضع عملنا على تقسيم الإيبارشيات إلى مناطق محدودة يستطيع الأسقف أن يرعاها و يزورها، و يهتم بكل مدينة فيها و كل قرية، و لا تضيع تلك المدن و القرى وسط المسئوليات الضخمة التي كان يكلف فيها المطران برعاية بضع محافظات!!
و قد أرانا الرب بأمثلة عديدة أهمها العناية بالفرد الواحد في الخدمة، كما فعل زكا (لو19) و أيضًا مع نيقوديموس (يو3) و مع المولود أعمى (يو9) و غيرهم..

* البعض يضع مقياساً آخر لنجاح الخدمة هو: كثرة الإنتاج.

(5) كثرة الإنتاج

كالقيام بعدد كبير من الخدمات، أو إنشاء عدد كبير من فروع الخدمة، أو من الأنشطة..
و قد يتوه في كل ذلك، و لا يحسن الإشراف على كل تلك الأنشطة، أو يضطر إلى تعيين عدد من الخدام بغير إعداد. و تفقد الخدمة روحياتها بكثرة اتساعها و قلة عمقها..

هذا المحتوى منقول من:  موقع الأنبا تكلا

Share this post